ابن بسام

394

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

لهم شأنه ، وهان عليهم سلطانه ، فجاهروه بالعداوة ، وأرادوه على الإتاوة ، وجرت بينهم أثناء ذلك حروب ، لم يحمدها غالب ولا مغلوب ، ولا أمنها بريء ولا مريب ، أضربت عن خبرها لطوله ، ولأنه لم يبلغني عن من أثق بتحصيله ، كان من أفراها لأديمه ، وألصقها بصميمه ، وقعة حيدران سنة أربع وأربعين ، فإنها أوهنت بطشه ، وثلّت عرشه ، وألصقها بصميمه ، وقعة حيدران سنة أربع وأربعين ، فإنها أوهنت بطشه ، وثلّث عرشه ، وأرته البوار ، وضربت عليه الحصار ، وأحاط الأعراب بالقيروان يطئون حريمها ، ويستعرضون راحلها ومقيمها ، حتى ماج بعضها في بعض ، وتبرأت منها كلّ سماء وأرض ، فلما كان سنة خمسين أعطى الدنيّة ، وناشدهم التقيّة ، واشترط المهدية ، وقد كان نظر في ماله ، وفكّر في من بإزائه من أقتاله ، فزفّ إلى زعمائهم بناته وكن اللآلي وأماني الغالي ، فأصبحوا له أصهارا ، وقاموا دونه أنصارا ، فلما استحكم بأسه ، وأهمّته نفسه ، استجاش من قبله ، واحتمل حرمه وثقله ، وخلّى الملك لمن حماه وحمله ، وجاء أصهاره فكانوا بحيث يسمعون نئيمه ، ويمنعونه ممن عسى أن يكيده ويضيمه ، حتى بلغ المهدية فأقام بها أسقط من الشمس في الميزان ، وأهون من الغفر على القبّان ، ولم يكن أحد في زمانه أشدّ بأسا في الملاحم ، ولا أطول يدا بالمكارم ، ولا أعنى بلسان العرب ، ولا / أحنى على أهل الأدب ، منه . ومن مشهور كرمه أنه أعطى المنتصر بن خزرون في دفعة مائة ألف دينار إلى ما وصله به من مركب ثقيل ، وزيّ نبيل . ثم لم يمكث بالمهدية إلا نحو عامين ، وانقضت أيامه ، وغافصه حمامه ، تعالى من لا ينتقل حاله ، ولا يتوقّع زواله . فصل في ذكر الشيخ أبي الفتيان العسقلاني [ 1 ] وإثبات قطعة من شعره ونثره أخبرني بخبر هذا الرجل الفقيه الحافظ أبو بكر محمد بن الوزير الفقيه أبي محمد بن العربي ، وأنه فارقه حيّا يرزق وهو بالسنة [ . . . ] ، وأنا أقول : إنّ أبا الفتيان هذا من فرسان هذا الشأن ، وممن أعطي بسطة في علمه وبيانه ، وخلّي بين السحر ولسانه ، والذي أثبتّ من كلامه يضرح قذى العيون ، ويجلو وضح الصبح المبين . فصل له من رقعة : مخايل السؤدد - أطال اللّه بقاء الشيخ - تعثر على عقبه أخامص الكرام ، وترقم

--> [ 1 ] لعله مفضل بن حسن بن خضر العسقلاني الذي ذكره في الخريدة ( الورقة : 201 من مخطوطة باريس رقم : 3328 ) وقال : إنه قدم مصر في أيام الأفضل وأورد له مقطوعة من أربعة أبيات .